محمد بن جرير الطبري

271

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

على أنه من نعت الله جل ثناؤه ، لأن " الملائكة وأولي العلم " ، معطوفون عليه . فكذلك الصحيح أن يكون قوله : " قائمًا " حالا منه . * * * وأما تأويل قوله : " لا إله إلا هو العزيز الحكيم " ، فإنه نفى أن يكون شيء يستحقّ العُبودَة غير الواحد الذي لا شريك له في ملكه . ( 1 ) * * * ويعني ب " العزيز " ، الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ، ولا ينتصر منه أحد عاقبه أو انتقم منه ( 2 ) = " الحكيم " في تدبيره ، فلا يدخله خَلل . ( 3 ) * * * قال أبو جعفر : وإنما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نَفْيَ ما أضافت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في عيسى من البنوّة ، وما نسب إليه سائرُ أهل الشرك من أنّ له شريكًا ، واتخاذهم دونه أربابًا . فأخبرهم الله عن نفسه أنه الخالقُ كلّ ما سواه ، وأنه ربّ كلِّ ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربًّا دونه ، وأنّ ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهلُ العلم به من خلقه . فبدأ جل ثناؤه بنفسه ، تعظيمًا لنفسه ، وتنزيهًا لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به - ما نسبوا إليها ، كما سنّ لعباده أن يبدأوا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره ، مؤدِّبًا خلقه بذلك .

--> ( 1 ) قوله : " العبودة " هو مصدر من " عبد " على وزن " شرف " يقال : " هو عبد بين العبودة والعبودية والعبدية " وقد استعملها الطبري بهذا المعنى فيما سلف 3 : 347 ، وانظر التعليق هناك . وهو بمعنى الخضوع والتذلل ، فكأنه استعمله هنا أيضًا بذلك المعنى ، كأنه قال : فإنه نفي أن يكون شيء يستحق الخضوع له والتذلل ، غير الواحد الذي لا شريك له في ملكه . وقد صرح ابن القطاع في كتاب الأفعال 2 : 337 أن مصدر " عبد الله يعبده " : " عبادة وعبودة وعبودية " ، أي : خدم ، وذل أشد الذل . ( 2 ) انظر تفسير " العزيز " فيما سلف 3 : 88 / ثم هذا ص : 168 ، 169 وفهارس اللغة ( عزز ) . ( 3 ) انظر تفسير " الحكيم " فيما سلف 3 : 88 ، وفهارس اللغة ( حكم ) .